عماد الدين خليل
325
دراسة في السيرة
به من دماء الجاهلية . . . أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ، ولكنه يطمع فيما سوى ذلك ، فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم . أيها الناس إن النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ . . . « 1 » أيها الناس إن لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا ، واستوصوا ( بهن ) خيرا فإنهن عندكم عوان ( أسيرات ) لا يملكن لأنفسهن شيئا ، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة اللّه . . فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلّغت . وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا ، أمرا بيّنا كتاب اللّه وسنة نبيه . أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه ، تعلمن إن كل مسلم أخ للمسلم ، وإن المسلمين إخوة ، فلا يحل لامرىء من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم . اللهم هل بلغت ؟ » أجابه المسلمون جميعا : اللهم نعم ، فقال « اللهم اشهد » « 2 » . وبعد ذلك بقليل ، قال الرسول للوفود المحتشدة حوله عند جمرة العقبة ، ما يشعر بحلول الأجل القريب ( خذوا عني مناسككم ، فلعلي لا أحج بعد عامي هذا ) « 3 » . في مطلع ربيع الأول من العام التالي ( 11 ه ) خرج الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى بقيع الغرقد حيث تنتشر مقابر أهل المدينة ، فناداهم واستغفر لهم ( السلام عليكم أهل المقابر ليهنأ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها ، الآخرة شرّ من الأولى . . ) ورجع إلى أهله . وحينذاك بدأ وجع الرسول صلى اللّه عليه وسلم الذي انتهى بانتقاله إلى الرفيق الأعلى . عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : « رجع الرسول صلى اللّه عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي ، وأنا أقول : وا رأساه ! فقال : بل أنا واللّه يا عائشة وا رأساه . . . » وراح يدور على نسائه ، وأوجاعه تزداد وطأة ، حتى غلبته على نفسه فاستأذن أزواجه أن يمرّض في
--> ( 1 ) سورة التوبة ، الآية : 37 . ( 2 ) ابن هشام ص 272 - 274 الطبري 3 / 148 - 152 ابن سعد 2 / 1 / 124 - 136 البخاري : تجريد 2 / 98 - 99 ، اليعقوبي : تاريخ 2 / 99 - 102 المسعودي : مروج 2 / 290 ، التنبيه ص 239 - 240 ابن الأثير : الكامل 2 / 302 - 303 . وعن نص الخطبة انظر : حميد اللّه : الوثائق ص 360 - 362 ، ابن حزم : جوامع ص 260 - 262 . وعن تفاصيل حجة الوداع انظر : ابن كثير : البداية 5 / 109 - 214 . ( 3 ) الغزالي : فقه السيرة ص 490 .